محمود أبو رية
71
أضواء على السنة المحمدية
عنه تلقينا ، وإنما كان يروي بعضهم عن بعض ، فمن لم يسمع من الرسول كان يأخذ ممن سمع منه ( صلى الله عليه وسلم ) ، وإذا رواه لغيره لم يعزه إلى الصحابي الذي تلقاه عنه ، بل يرفعه إلى النبي بغير أن يذكر اسم هذا الصحابي - ذلك أن مجالس الرسول كانت متعددة ، وتقع في أزمنة وأمكنة مختلفة ، ولا يمكن أن يحضر الصحابة جميعا كل مجلس من مجالسه ، فما يحضره منها بعض الصحابة لا يحضره البعض الآخر . وقد ذكر الآمدي في كتاب الأحكام في أصول الأحكام ( 1 ) : أن ابن عباس لم يسمع من رسول الله سوى أربعة أحاديث لصغر سنه ولما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم " إنما الربا في النسيئة " وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى رمى حجر العقبة ، قال في الجزء الأول لما روجع فيه ، قال : أخبرني به أسامة ابن زيد ، وفي الخبر الثاني : أخبرني به أخي الفضل بن العباس . ولما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من أصبح جنبا في رمضان فلا صوم له ، راجعوه في ذلك ، فقال : ما أنا قلته ورب الكعبة ولكن محمدا قاله ! ثم عاد فقال : حدثني به الفضل بن العباس ( 2 ) . وروي عن البراء بن عازب قال : " ما كل ما نحدثكم به سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ! ولكن سمعنا بعضه وحدثنا أصحابنا ببعضه " . وأما التابعون فقد كان من عادتهم إرسال الأخبار ( 3 ) . ويدل على ذلك ما روي عن الأعمش أنه قال : قلت لإبراهيم النخعي : إذا حدثتني فأسند ( 4 ) فقال : إذا قلت لك حدثني فلان عن عبد الله فهو الذي حدثني وإذا قلت لك حدثني
--> ( 1 ) ص 178 - 180 ج 2 وقال ابن القيم في الوابل الصيب : إن ما سمعه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبلغ العشرين حديثا ، وعن ابن معين والقطان وأبي داود في السنن أنه روي تسعة أحاديث وذلك لصغر سنه ومع ذلك فقد أسند له أحمد في مسنده 1696 حديثا ! ( 2 ) لهذا الحديث قصة شائقة تقرؤها في تاريخ أبي هريرة الذي طبعناه باسم " شيخ المضيرة " مرتين . ( 3 ) الرواية المرسلة للحديث هي التي لم يذكر فيها اسم الذي رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم . ( 4 ) الحديث المسند ما اتصل سنده إلى منتهاه ، وكان التابعون يتبعون في ذلك سبيل الصحابة فيما يروون من الأحاديث التي لم يسمعوها من النبي وإنما تلقوها من إخوانهم فإنهم كانوا لا يذكرون أسماء من تلقوا عنهم .